في أواخر القرن العشرين، ظهر مفهوم "هرم النشاط البدني" كأداة بصرية تهدف إلى توجيه الأفراد نحو نمط حياة صحي ونشط. كان النموذج يقوم على ترتيب الأنشطة اليومية في قاعدة الهرم، ثم التمارين الهوائية، تليها تمارين التقوية والمرونة، بينما وُضعت السلوكيات الخاملة مثل الجلوس الطويل أمام الشاشات في قمة الهرم، في إشارة إلى ضرورة التقليل منها قدر الإمكان. ورغم أن هذا النموذج ساعد في تبسيط فكرة النشاط البدني لعامة الناس، إلا أنه (هرم النشاط البدني) أغفل جوانب مهمة مثل تمارين القوة، والثبات، والمرونة، كما لم يتضمن أدوات لتغيير السلوك تعزز الدافعية والمواظبة على ممارسة النشاط البدني.
تمامًا كما تم استبدال "هرم الغذاء" في عام 2011 بنموذج أكثر تطورًا يُعرف بـ "صحني" (MyPlate)، يقترح الباحثون اليوم استبدال "هرم النشاط" بنموذج جديد أُطلق عليه "صحني للنشاط البدني". يعكس هذا النموذج التطورات الحديثة في علوم الحركة والصحة، ويهدف إلى تقديم تصور أكثر توازناً وشمولاً لمكونات النشاط البدني، مع مراعاة تنوع الاحتياجات الفردية وتفضيلات الناس المختلفة.
يمثل "صحني للنشاط البدني" أداة مرئية دائرية تستعرض أربعة مكونات رئيسية تمثل حجر الأساس في الحركة الصحية: النشاط الهوائي مثل المشي والجري، تمارين القوة مثل رفع الأثقال أو استخدام وزن الجسم، تمارين الثبات والتوازن التي تقلل من مخاطر الإصابات وتحسن التناسق، وحركات المرونة التي تعزز نطاق الحركة وتقلل من التصلب العضلي. على عكس النموذج الهرمي الذي يُعطي الأفضلية لأنواع معينة من التمارين، فإن هذا النموذج الدائري يضع جميع المكونات على قدم المساواة، مشيرًا إلى أهمية التوازن والتكامل بين أنواع النشاط المختلفة.
يشدد النموذج الجديد أيضًا على أهمية الحركة اليومية العفوية، مثل اللعب، الأعمال المنزلية، أو صعود الدرج، وهي أنشطة غير منظمة لكنها ذات فوائد صحية ملموسة. فحتى الحركة الخفيفة، إذا ما مارست بانتظام على مدار اليوم، تُسهم في تحسين الصحة وتقليل مخاطر الأمراض المزمنة والوفاة المبكرة. إلا أن الاعتماد الحصري على الحركة غير المنظمة قد لا يوفر كامل الفوائد الصحية التي توفرها البرامج المنظمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتطوير اللياقة القلبية والعضلية.
جانب آخر مهم في النموذج الجديد هو التركيز على استراتيجيات تعديل السلوك. إذ لا يكفي تقديم توصيات عامة حول ممارسة الرياضة، بل ينبغي تسهيل تطبيقها من خلال التدرج، وتخصيص النشاطات حسب الوقت والطاقة المتوفرة، وتشجيع استخدام وسائل الدعم مثل التطبيقات الرقمية، والمذكرات الشخصية، والدعم الاجتماعي. هذه العناصر تسهم في جعل النشاط البدني تجربة شخصية مستدامة وليست مجرد التزام مؤقت.
يتسم "صحني للنشاط البدني" بدرجة عالية من التخصيص والمرونة، حيث يتيح للأفراد اختيار النشاطات والأنماط التي تناسب احتياجاتهم وظروفهم. على سبيل المثال، قد يركز كبار السن على تمارين التوازن والثبات للوقاية من السقوط، في حين قد يُفضل الشباب تمارين القوة والتمارين الهوائية لتحسين الأداء البدني. هذا التنوع يعزز فرص الالتزام ويجعل النشاط البدني جزءاً من نمط الحياة اليومي بدلاً من كونه مهمة إضافية.
تؤكد الدراسة أن الوقت قد حان للتخلي عن النماذج التقليدية الجامدة التي لم تثبت فاعليتها بشكل كافٍ في مواجهة وباء الخمول البدني المنتشر عالميًا. ويقترح الباحثون أن تُبنى النماذج المستقبلية على التخصيص، والشمول، وتنوع الأنشطة، بحيث تراعي الفروقات الفردية في الأعمار، وأنماط الحياة، والحالات الصحية، والتفضيلات الشخصية. فإعادة تخيّل النشاط البدني تبدأ بإعادة النظر في الأسس التي بُنيت عليها المفاهيم القديمة، واستبدالها بأدوات عملية قابلة للتطبيق تساعد الأفراد على اتخاذ قرارات صحية بأنفسهم.
ملاحظة:
هذا المقال يمثل تبسيطًا علميًا لمحتوى دراسة منشورة بعنوان: "From Hierarchy to Harmony: Transforming the Activity Pyramid into My Physical Activity Plate" والصادرة في مجلة Current Sports Medicine Reports، عدد يونيو 2025.
رابط الدراسة الأصلية: https://journals.lww.com/acsm-csmr/fulltext/2025/06000/from_hierarchy_to_harmony__transforming_the.2.aspx

